العيني

306

عمدة القاري

ولا يملك الزوج العدة إذا كانت له . وروي أيضا بإسناد حسن عن ابن عمر ، قال : لا يحل لها إذا كانت حائضا أن تكتم حيضها ، ولا إن كانت حاملاً أن تكتم حملها . وعن مجاهد : لا تقول : إني حائض ، وليست بحائض ، ولا لست بحائض وهي حائض ، وكذا في الحبل . وَيُذْكَرُ عنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ إنِ امْرَأةٌ جاءَتْ بِبَيِّنَةٍ منْ بِطَانَةِ أهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ أنَّهَا حاضَتْ ثَلاَثا في شَهْرٍ صُدِّقَتْ الكلام فيه على أنواع . الأول : أن عليا هذا هو ابن أبي طالب ، وشريحا هو ابن الحارث بالمثلثة الكندي أبو أمية الكوفي ، ويقال : إنه من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه ، استقضاه عمر ، رضي الله تعالى عنه ، على الكوفة وأقره من بعده إلى أن ترك هو بنفسه زمن الحجاج ، كان له مائة وعشرون سنة ، مات سنة ثمانية وتسعين ، وهو أحد الأئمة . الثاني : أن هذا تعليق بلفظ التمريض ، ووصله الدارمي : أخبرنا يعلى بن عبيد أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن عامر هو الشعبي ، قال : ( جاءت امرأة إلى علي ، رضي الله تعالى عنه ، تخاصم زوجها طلقها ، فقالت : حضت في شهر ثلاث حيض ، فقال علي لشريح : إقض بينهما . قال : يا أمير المؤمنين ، وأنت هاهنا ؟ قال : إقضِ بينهما . قال : إن جاءت من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته يزعم أنها حاضت ثلاث حيض تطهر عند كل قرء وتصلي جاز لها . وإلاَّ فلا . قال علي ، رضي الله تعالى عنه : قالون ) . ومعناه بلسان الروم : أحسنت . ورواه ابن حزم ، وقال : رويناه عن هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي : ( أن عليا ، رضي الله تعالى عنه ، أتى برجل طلق امرأته فحاضت ثلاث حيض في شهر أو خمس وثلاثين ليلة ، فقال علي لشريح : إقض فيها . فقال : إن جاءت بالبينة من النساء العدول من بطانة أهلها ممن يرضى صدقه وعدله أنها رأت ما يحرم عليها الصلاة من الطهر الذي هو الطمث ، وتغتسل عند كل قرء وتصلي فيه ، فقد انقضت عدتها . وإلاَّ فهي كاذبة . فقال علي بن أبي طالب : قالون ) . ومعناه : أصبت . قال ابن حزم : هذا نص قولها . انتهى . واختلف في سماع الشعبي عن علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، فقال الدارقطني : لم يسمع منه إلاَّ حرفا ما سمع غيره . وقال الحازمي : لم تثبت أئمة الحديث سماع الشعبي من علي . وقال ابن القطان : منهم من يدخل بينه وبينه عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وسنه محتملة لإدراك علي . وقال صاحب ( التلويح ) : فكأن البخاري لمح هذا في علي لا في شريح ، لأنه مصرح فيه بسماع الشعبي منه ، فينظر في تمريضه الأثر عنه ، على رأي من يقول : إنه إذا ذكر شيئا بغير صيغة الجزم لا يكون صحيحا عنده ، وكأنه غير جيد ، لأنه ذكر في العتمة . ويذكر عن أبي موسى : كنا نتناوب بصيغة التمريض ، وهو سند صحيح عنده . النوع الثالث : في معناه : فقوله : ( إن جاءت ) في رواية كريمة : ( ان المرأة جاءت ) بكسر النون ( ببينة من بطانة أهلها ) أي خواصها . وقال القاضي إسماعيل : ليس المراد أن تشهد النساء أن ذلك وقع ، وإنما هو فيما نرى أن يشهدن أن هذا يكون ، وقد كان في نسائهن وفيه نظر ، لأن سياق هذا الحديث يدفع هذا التأويل ، لأن الظاهر منه أن المراد أن يشهدن بأن ذلك وقع منها ، وكأن مراد إسماعيل رد هذه القصة إلى موافقة مذهبه . ومذهب أبي حنيفة أن المرأة لا تصدق في انقضاء العدة في أقل من ستين يوما . وعن محمد بن الحسن ، فيما حكاه ابن حزم عنه أربعة وخمسين يوما . وعن أبي يوسف : تصدق في تسعة وثلاثين يوما . قال ابن بطال : وبه قال محمد بن الحسن والثوري . وعن الشافعي : تصدق في ثلاثة وثلاثين يوما . وعن أبي ثور : في سبعة وأربعين يوما . وذكر ابن أبي زيد عن سحنون : أقل العدة أربعون يوما . النوع الرابع : في أن هذا الأثر يطابق الترجمة في قوله : ( وما يصدق النساء ) إلى آخره ، لأن المراد : ما يصدق النساء فيما يمكن من المدة ، والشهر يمكن فيه ثلاث حيض خصوصا على مذهب مالك والشافعي فإن أقل الحيض عند مالك في حق العدة ثلاثة أيام ، وفي ترك الصلاة والصوم وتحريم الوطىء دفعة ، وعند الشافعي في الأشهر إن أقله يوم وليلة ، وهو قول أحمد : فإن قلت عندكم أيها الحنفية أقل الحيض ثلاثة أيام ، فَلِمَ شرطتم في تصديقها بستين يوما على مذهب أبي حنيفة ؟ قلت : لأن أقل الطهر عندنا خمسة عشر يوما ، فإذا أقرت بانقضاء عدتها لم تصدق في أقل من ستين يوما ، لأنه يجعل كأنه طلقها أول الطهر وهو خمسة عشر ، وحيضها خمسة اعتبارا للعادة ، فيحتاج إلى ثلاثة أطهار وثلاث حيض .